الثلاثاء
الأربعاء 30 شعبان 1439
17 سبتمبر 2019
11:49 م

القلق النفسي للشباب

88899(2)
بقلم/ فوزي فهمي محمد غنيم الثلاثاء، 30 يناير 2018 01:42 م

      
إننا لنتشاءم من مستقبل أجيال تحيا وسط هذا الركام الكثيف من سوء الفهم والتوجيه، وما نراها أبداً تصلح لحمل الأعباء أو مخاصمة الأعداء! ويجتاز الشباب فترة قلق نفسي لا يستطيع معها تحديد أهدافه، ولا رسم مثله العليا. وقد ألنا القول في هذا الجواب، وأضعفنا حدته، ولجأنا إلى التلميح بدل التصريح، والخفوت بدل المجاهرة. 

لعل هذا التلطف يجدي! إن فترة القلق التي يعانيها الشباب نتيجة طبيعية لجملة أسباب تجمعت في حياتهم كان لابد أن تترك آثارها في أنفسهم على ذلك النحو الذي جزع له المصلحون، وشرع في تفهمه ومداواته لفيف منهم. ومن واجب المسئولين عن قيادة الشباب أن يلتمسوا الدواء لهذه العلل، فإن الشباب الذي لا هدف له، إما أن يقف في مكانه مبلبل الخواطر مشتت المشاعر، وإما أن يخبط في الحياة على غير هدى: وبذلك يبدد قواه عبثاً ويضيعها سدى!! وكلا الأمرين خطر على مستقبل الفرد والجماعة. 

وهنا يأتي السؤال: ما سر هذا الفراغ النفسي، وما يتبع ذلك الفراغ من خلخلة وحيرة؟ والجواب يفرض علينا أن نتأمل طويلاً في الأغذية المعنوية والروحية التي تهيأ للشباب، وتعمل في قلبه ولبه!! ومن اليسير أن نحصر هذه الأغذية في مصدرين اثنين: أولهما: ما يقدم خارج الفصول والمدرجات، أعنى بعيداً عن معاهد الدراسة وتوجيهات الأساتذة .. والآخر: ما يقدم خلال مراحل التعليم المختلفة من بداية الصفوف الدنيا، إلى أن يترك الطلاب جامعاتهم ويواجهوا الحياة العملية. والشباب الذي لا عقيدة له، أو الذي يحمل عقيدة منفصلة عن شعوره وعن تفكيره، لا يمكن إلا أن يحيا قلقاً، وإلا أن تمتلكه الحيرة، ويستولى عليه التردد، وهو يرمق مستقبله بخور وارتباك!! ما الأهداف التي تغرسها في الشباب حياتنا العملية؟ 

أستعرض، ما تنشره الصحف اليومية والأسبوعية، وما يذيعه الراديو على موجاته الطوال والقصار، والتليفزيون وما تعرضه السينمات والمسارح. إن هذا الاستعراض السريع يجعلك تحكم على البديهة بأن الأغذية المعنوية التي تقدمها هذه الجهات، بعضها تافه غث، لا يسمن ولا يغنى من جوع، وبعضها سموم تفتك بالعافية الروحية، وتنشر في آفاق الشبان ظلالاً سوداً للتحلل والميوعة. إن الدول في كثير من الأحيان توجه اقتصادها لخدمة مصالحها القومية العليا وترسم لذلك سياسة دقيقة تلزم الجميع بتنفيذها والرضا بآثارها: فهل هناك أدب صحفي موجه، أو فن مسرحي موجه، أو برامج إذاعية موجهة تتضافر كلها على تكوين جيل ناضج مكتمل الوعي، نير الفكر، صلب الإيمان، واضح الهدف، قوى العقيدة ؟ فهل وظيفة الإذاعة والتليفزيون بث الهيام وإقلاق المنام وراء الحبيب المدلل؟! أليس هناك توجيه أعلى يرفع المستوى النازل، ويحيى في النفوس ملكاتها الطيبة؟ 

ثم ألمح الروايات التي تمثل أحلام الكبت ، أو التي تجسم وساوس الغريزة، والروايات التي تجعل طريق الفضيلة عسر السلوك مبهم النتائج، أو التي تهون الخيانات وتحلى مذاق الرذائل! إن عرض هذه الروايات في السينما أو المسرح لا يمكن أن يأتي بخير أبداً، بل إن الشرور المتولدة عنه فوق الحصر. والشباب الذي تحاصره هذه العلل كلها قلما تواتيه فرص الإفلات من غوائلها. ومن ثم فهو يعجز حتماً عن تحديد أهدافه ورسم مثله العليا. 

وهناك خلل آخر في حياتنا العامة : ندرة المؤسسات الاجتماعية التي تنمى في الشباب نزعات العمل الكريم، وتنفس عن رغبته الكامنة في الامتداد والحركة. وتتلطف في توجيهه إلى الواجب المرتقب منه. نعم، هناك أندية تقوى الأبدان، وتيسر أنواع اللعب، وتخلق العضلات المكتنزة. لكن ما جدوى صناعة الأجسام المفتولة إذا لم تملأ هذه الأجسام نفوس مشرقة بالأمل الصحيح، تواقة إلى الكدح في سبيل الله والناس! إن إيجاد هذه المؤسسات أمر لا محيص عنه إذا أردنا الخير لأمتنا عامة ولشبابنا خاصة . 

اضافة تعليق
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني
الحقول المشار إليها إلزامية. *